أرملة زوجها حيّ

أرملة زوجها حيّ

بقلم: محمد معراج عالم

تبكي الطفلة: يا حضرة المحامي، أستأذنك الآن، سأهاتفك لاحقًا.

يجول في خاطره كلّ ما قالته فتاة ثلاثينيّة لم تذق النوم منذ أسابيع، وهزّ ضميره هزًّا عنيفًا كلام تفوّهت به الفتاة، ولم تقله إلاّ بشقّ الأنفس، لأنّ الكلمات غابت في زحام تأوّهات منطلقة من الصدر المكلوم، وتلاشت المعاني في سيول قطرات تنهمر من العينين الساهرتين في انتظار حبيب، فيه نور لعينيها، وسكنية لقلبها، ودرع لعِرضها الذي أتعبت نفسها في صيانته.

بينما كان المحامي مستغرقًا في التفكير بالفتاة الثلاثينيّة، وبدأ يخمّن ما يمكن أن يحدث للفتاة، إذ رنّ جوّاله رنّة حالت دون تفكيره، وأخرجته من محراب يحاسب فيه نفسه، ويتفقّد أعماله، فحمل الجوال، فرأى صورة صديقه “ماهر” طافية على الشاشة، فطرح الجوّال على الفراش بعيدًا عنه، وامتنع عن الردّ عليه. وتكرّرت رنّة الجوّال، ولكنّه تركه يصيح صيحة غير مجدية، ولم يلتفت إليه، لأنّه بدأ يظهر له عكس ما قاله صديقه. بعد لحظة، علا إعلام المراسلة؛ حيث كلّما نزلت رسالة في الواتساب انطلقت منه صيحة تدوّي الغرفة كاملة، فلم يلتفت إلى الجوّال.

ثقل رأسه، لأنّه بدا له كأن جبال الهمّ هبطت على ظهره، وتأنّ روحه، لأنّ كلّ شيء غامض، والغامض من الأحداث مُرهِب بهذه الدرجة، فماذا عن الواقع! لأنّ التأوّهات نطقت بكلام أذاب قلب المحامي “منصور” رغم شجاعته، لأنّه يرى كلّ يوم ألاعيب الناس في المحكمة التي تكشف الستار عمّا في الباطن من الخدعة والكيد والكذب والتضليل والأنانيّة، فلذا أصبح المحامي متيقّظًا شديدًا، وصار لا يأبه بدموع تنهمر من العينين، وتعوّد على أن يفضّل مهنته على كلّ شيء، ولكنّ التأفّفات الصادرة من روح “ريحانة” تكاد أن تشقّ قلبه، فوضع الجوال في حالة صامتة، ونام نومًا طويلًا، ولم يستيقظ حتى خيّم الليل أطنابه على الأرض، ودقّ بابه طارق، فنهض من الفراش وهو يفرّك عينيه، وتقدّم إلى الباب متثائبًا، وفتح الباب سائلًا: من أنت؟

فاجأه ماهر بقدومه، وسأله مستغربًا: متى هبطت في نيو دلهي؟
قبل نصف ساعة.
أنا مندهش حقًّا يا صديقي، فاجأتني بما لم أتوقّعه منك، متى قرّرت العودة إلى الهند؟ ولمَ لم تُخبرني به مسبقًا؟

أتيت على غير ميعاد وبدون خطّة مسبقة.

ولم هذا الاستعجال؟

لأنّك منذ الصباح تجاهلتني، وضغط عليّ مالك الشركة لحلّ هذه القضيّة في أسرع وقت ممكن، ومنذ ما أرسل قسم الشرطة المخصّص لقضيّة النساء الرسالة إلى مكتب الشركة، تحوّلت حياتي إلى نار من جحيم، لأنّ المدير ضيّق الخناق عليّ، وأمّا أنت فلا تردّ عليّ.

ألم يسمح الإسلام بالزواج ثانية يا صديقي المحامي؟ وليس ذنبي إلا أنّني جرأت على ما لم يسمح به المجتمع، ولكنّني لا أعبأ بما يسود في المجتمع من التقاليد البالية، لأنّ القرآن أذن بالزواج من أربع نساء في نفس الوقت. أنا أُعطي “ريحانة” كلّ شهر أكثر ممّا تحتاج إليه للمعيشة، وأحوّل في حسابها في كلّ شهر عشرين ألف روبية، وبالإضافة إلى ذلك هي تعيش في منزل بنيته لها، ولكن رغم كلّ ذلك تمنعني من الزواج من ثانية، وحاولت كثيرًا منذ سنتين إقناعها بالرضا بما حدث، ولكن لم تتنازل عن أنانيتها، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل عرضت القضيّة في مركز الشرطة المخصّص للقضيّة النسائيّة.

بينما كان ماهر يشرح الأمر للمحامي وجهًا لوجه، لكي يخرجه من الورطة التي وقع فيها، إذ رنّ جوّاله، فإذا به رقم زوجة ماهر، فردّ عليها بالسرعة، وأدنى الجوّال إلى أذنيه.

يا حضرة المحامي، معذرة على ما حدث، كانت “رضية” قد استيقظت من النوم، فلذا لم أستطع إكمال حديثي معك، لأنّها كانت تبكي جوعًا، وعليّ أن أرضعها.

قطع المحامي كلامها، وسألها: هل يوفّر لك زوجك النفقة في كلّ شهر؟
نعم.
هل ينقص في دفع ما يسدّ حاجتك وحاجة أطفالك في أيّ شهر؟

لا، لا يتأخّر في تحويل المبلغ.
فلماذا تحولين دون زواجه من ثانية؟ ولماذا عرضت القضيّة في مركز الشرطة؟

أطلقت ريحانة تنهيدة صعداء، وقطعت الاتصال فجأة دون أن تقول شيئًا.

بعد ساعة انطلقت رنّة الإعلام من جوّال المحامي، فأخذ الجوّال، وفتح الواتساب، ورأى رسالة أرسلتها ريحانة.

يا حضرة المحامي:

أنا مذنبة في نظر زوجي، لأنّني عرضت القضيّة في مركز الشرطة المخصّص لقضيّة النساء، فلا بأس، فهو في النهاية زوجي، ولا يهمّني ما يوجّهه إليّ من تهمة القساوة والجور، فهذا ما ظهر، وما خفي أعظم، ولا يعلمه إلا الله، وليس لي أن أُفسح الطريق لشخص آخر لكي يتدخّل بما يخصّ الزوجين كشريكين للحياة، ولكنّك أجبرتني على شيء لم أرده لي قط.

يا حضرة المحامي،

ما رأيتَ إلا جانبًا من العملة، وما تراءى لك إلا ما فيه، وليس فيه أيّ زيف، ولكنّ الجانب الآخر مخفيّ عنك، لأنّه لم يُظهره لك، لأنّه نسيه أو تناساه، ولا ألومه عليه، لأنّ العاشق يسعى وراء السراب ما دام يبني قصر حياته على أساس العواطف الغراميّة، لأنّ العواطف الغراميّة طارئة، ستنتهي يومًا ما، لأنّها كدخان يتصاعد بكلّ قوّته في البداية، ولا يمكث دقائق حتى يتضائل في السماء، أو كغثاء السيل الذي يعلو بكلّ قوّة، ولكنّه يفنى بعد لحظات. وليس المرء موضع ثقة حتى يكون نبيلًا وذا خُلُق عالٍ، ولا يكون المرء خلوقًا ونبيلًا حتى يؤسّس حياته الوديّة على التعاليم الدينيّة التي نزلت من السماء كنظام للحياة البشريّة. فلو أطلق المرء عنان فرسه لعواطفه الغرامية، يبقى طول الحياة تائهًا ومتسكّعًا في وادٍ مظلم دون الوصول إلى برّ الأمان والسكينة.

فعلى سبيل المثال، عندما تزوّجت من ماهر كان شخصًا عاديًا، لا يكتسب كثيرًا، كان يعلّم الطلبة الصغار متنقّلًا في منازلهم، وكان ريفيًّا، وكنت ريفيّة، وكانت الحياة سعيدة وساذجة، وانقضت على زواجنا سبع سنوات، فكان يعمل طول النهار معلّمًا للطلبة الصغار، ويعود في المساء إلى المنزل، ويبيت الليل معي، ونحن نتبادل المشاعر كما يتبادل الزوجان في خلوة.

كانت الحياة سعيدة حتى سافر إلى لكناؤ معلّمًا في كُتّاب، ووقع في هوى فتاة تعيش في المدينة، ونسيني، وافتتن بها، وانقضت أربع سنوات ولم يقترب منّي، ولم يبادلني الشعور بالحب، ولا يبقى الأمر في القرية مكتومًا؛ شاع بين الناس أنّه لم يقترب منّي منذ أربع سنوات، وأصبح بعض الفتيان في القرية يُشتّتون ذهني، وأصبح العِرض مهدّدًا بالخطر، وتعبت من صيانته، لأنّني أمانة لزوجي، والزوج حارس للزوجة.

ولكن ماذا عن الزوج الذي نسي مسؤوليته تجاه حراسة أمانته؟

ويا حضرة المحامي،

الإنسان صُنع من الروح والجسد، لكلٍّ منهما حاجات يجب تحقيقها لكي يبقى الإنسان سعيدًا. عندما يجوع البطن يُشبِعه بطعام، ولكن ماذا يفعل الإنسان عندما تجوع روحه؟

التعليقات معطلة.