محمد معراج عالم؛ روايات هاشم محمود تتسم بعمقها الإنساني وارتكازها على قيم التسامح والتعايش بين الأديان والثقافات

أقام منتدى الباحثين للنادي العربي التابع لمركز الدراسات العربية والإفريقية بجامعة جواهر لال نهرو في نيودلهي بالهند، ندوة علمية يوم الحادي والثلاثين من أكتوبر عام ٢٠٢٥م، قدّم فيها الباحث محمد معراج عالم ورقته البحثية بعنوان “تجليات الملامح الدينية في روايات هاشم محمود”، فيما أدار الجلسة الباحث أبو سعيد.
استُهلت الندوة بكلمة ترحيبية ألقاها رئيس المركز سعادة الأستاذ محمد قطب الدين، رحّب فيها بالبروفيسور محمد سليم من جامعة أندرا غاندي الوطنية المفتوحة، الذي ترأس الندوة، مشيدًا بكونه أحد خريجي هذا المركز، ثم قدم الدكتور محمد أجمل نبذة عن مسيرة البروفيسور محمد سليم العلمية المليئة بالإنجازات، موضحًا أنه من الباحثين المتميزين في اللغتين العربية والأردية، وله اهتمام واسع بالأدب الكلاسيكي والحديث والفلسفة والسياسة والترجمة، إضافةً إلى مؤلفاته العديدة ومقالاته حول تعليم اللغة العربية كلغة أجنبية في الهند، ومساهمته في تصميم المناهج الدراسية الحديثة لدرجتي البكالوريوس والدبلوم وفق سياسة التعليم الوطنية الجديدة.
بعد ذلك، قدّم الباحث محمد معراج عالم محاضرته، متحدثًا عن حياة الروائي العربي الإريتري هاشم محمود حسن، وعن إسهاماته الأدبية الثرية التي عالجت قضايا الحب والثورة والنضال السياسي والاجتماعي، إضافة إلى التعدد الديني والتنوع الثقافي والهوية والانتماء. وأوضح الباحث أن روايات هاشم محمود تتسم بعمقها الإنساني وارتكازها على قيم التسامح والتعايش بين الأديان والثقافات، مشيرًا إلى أن الكاتب قدّم نموذجًا مميزًا للتفاعل الديني الإنساني في المجتمع الإريتري.

وتحدث المتحدث عن الملامح الدينية في روايات هاشم محمود من خلال ثلاثة محاور رئيسية هي: التسامح الديني، والدين كقيمة إنسانية جامعة، والأجواء الدينية. ففي محور التسامح الديني، عرض الباحث نماذج عدة تتجلى من خلال شخصيات وأحداث روايات الكاتب، منها صورة التسامح في شخصية إبراهيم في رواية “فجر أيلول”، ونموذج التسامح من خلال المكان في الرواية نفسها، حيث يتجسد التعايش بين المسلمين والمسيحيين في مجتمع القرية الذي يسوده الودّ والاحترام، إذ يقول الكاتب: “الإريتريون في مجتمع القرية لم يعرفوا إلا الودّ والتقارب في التعاملات اليومية، إذ لم يكن ثمة مجال لخلافات عقائدية أو مذهبية تُعكّر صفو التعايش”. كما تناول الباحث صورة التسامح الديني من خلال شخصيات من ديانتين مختلفتين في رواية “الكتيبة 17″، إلى جانب ما تجلّى فيها من إشارات إلى التاريخين الإسلامي والمسيحي بوصفهما رمزين للتقارب والتفاهم الديني. وتطرق كذلك إلى نموذج التسامح في الاحتفالات الدينية الإسلامية التي توحد الناس على اختلاف معتقداتهم.
أما في حديثه عن الدين كقيمة إنسانية جامعة، فقد أبرز الباحث أن الكاتب ينظر إلى الدين باعتباره رسالة حب وسلام، ورابطة تجمع بين بني الإنسان كافة، كما أنه وسيلة لاجتثاث جذور العصبية، وأداة لاحترام الآخر وتنمية التفكير السليم. وبيّن أن هذه الرؤية الإنسانية الشاملة تنعكس بوضوح في معظم روايات هاشم محمود التي تتعامل مع الدين بوصفه إطارًا للخير العام لا وسيلة للفرقة أو الصراع.
وفي المحور الثالث، تطرق المتحدث إلى الأجواء الدينية التي تظهر بجلاء في روايات الكاتب، مبينًا أنها تتوزع بين استحضار السرد القرآني، وذكر الطقوس الدينية، وتجليها في أماكن العبادة، كما أشار إلى التباين بين الجو الديني الحقيقي والزائف، وإلى حضور الدين بوصفه وسيلة لحفظ الهوية والانتماء. وأوضح أن الكاتب يوظف المظاهر الدينية في السرد الأدبي توظيفًا جماليًا يعكس التوازن بين المعتقد الإيماني والواقع الاجتماعي، بما يضفي على أعماله بعدًا روحانيًا وإنسانيًا عميقًا.
وفي ختام محاضرته، أشار الباحث محمد معراج عالم إلى أن روايات هاشم محمود تحمل رسالة إنسانية ودينية مهمة موجهة إلى المجتمع الهندي، لأن إريتريا تشبه الهند في تعددها الثقافي والديني، ولأن الكاتب يقدم نموذجًا للتسامح والتعايش بين الأديان يمكن أن يلهم المجتمعات المتنوعة.
عقب ذلك، قدّم البروفيسور رضوان الرحمن مداخلته، معبّرًا عن إعجابه بالمحاضرة ومؤكدًا أنه يسمع للمرة الأولى باسم هذا الكاتب الإريتري، وأبدى شوقه لقراءة رواياته لما تحمله من رسائل إنسانية نبيلة تدعو إلى الحب والتسامح والتفاهم.

ثم ألقى البروفيسور محمد سليم، رئيس الجلسة، كلمته الختامية التي عبّر فيها عن سعادته بالمشاركة في هذه الندوة، مشيدًا بجهود مركز الدراسات العربية والإفريقية في تنمية الحركة الأكاديمية والفكرية. وأكد في كلمته أن البحث العلمي لا يتوقف عند نيل درجة الدكتوراه، بل يبدأ بعدها، داعيًا الباحثين إلى مواصلة الجهد والإسهام في إثراء التراث العربي.

وفي ختام الندوة، قدّم الباحث نعيم أختر، الأمين العام للنادي العربي، كلمات الشكر إلى جميع المشاركين من أساتذة وطلاب، مؤكدًا على أهمية استمرار هذه الندوات الشهرية لما تقدمه من فائدة علمية وثقافية كبيرة. وقد شهدت الجلسة حضور عدد من أساتذة المركز، منهم الدكتور خورشيد إمام، والدكتور أكرم نواز، والدكتور أختر عالم، والدكتور عظمت الله، إلى جانب حضور عدد من الباحثين والطلبة، منهم أبو سعيد، وأحسن هلال، وشهيد الإسلام، وغيرهم من المهتمين بالشأن الأدبي والفكري.
