ثروة الهويّة

ثروة الهويّة

بسبب الإقبال على الأعمال التدريسية والروتينية الأخرى، لم أستطع أن أُبدع نصًّا منذ شهرين؛ لأنني صرت أخرج في الصباح وأشتغل طوال اليوم، وعندما أعود إلى المنزل في المساء بعد تعبٍ، يشغلني الطبخ؛ لأن طعام الخارج مضرٌّ بالمعدة. وفي زحام هذه الأعمال أحسست بأن الحياة أصبحت مملة. وعندما حاسبت نفسي للعثور على السبب، وجدت أنني على وشك الابتعاد عن جوهر الحياة؛ لأن الحياة الفردية تبقى ممتعة ما دامت متمسكة بهويتها التي يكتسبها الفرد بعد جهودٍ مضنية، وبسبب الممارسة المستمرة يأنس هويته وتأنس شخصيته، ويرتبط بعضهما ببعض كأنهما رضيعا ثديٍ واحد.

هويتي الكتابةُ والإبداع، والكتابةُ هواءٌ أتنفس به، ولا أستطيع أن أحتبس التنفس  طويلاً، ولا أستطيع أن أعيش بعيدًا عن الكتابة مدةً طويلة؛ لأن الكتابة غذاءٌ تتغذى به روحي، ولا يستطيع أي شيءٍ مهما كان غاليًا أن يوفره لروحي؛ لأن الإبداع هويتي، ولا يستطيع أي شيءٍ أن يحلَّ محلَّ الهوية.
يشعر البطن بالجوع فيسدّه الطعام، فالروح تجوع ويسدُّ جوعها الكتابةُ وتسطيرُ ما تشاهده العينان وتتخيله المخيلة من حكايات المكلومين، ومشاعر المنكوبين، وأحاسيس المضطهدين. وهذا أمر لا يخصني وحدي، بل هو ميزة كل شخص جعل من الكتابة هويته، ومن الإبداع حياته.

فلذلك عدتُ بعد شهرين من الركود الأدبي إلى الكتابة، لكي أبقى محتفظًا بهويتي؛ لأن الهوية ثروة لا تعادلها القناطير المقنطرة من الدولارات، والسعادة مرتبطة ببقاء الهوية لا بجلب الأموال؛ لأن البقاء قليلَ المال مع الهوية خيرٌ من المال الوفير دون الهوية.

التعليقات معطلة.