حبر ودخان

حبر ودخان

البيئة لها تأثير كبير. أختلف إلى المقاهي في “بتلاهاؤس” بمدينة نيودلهي على الأقل أربع مرات لاحتساء الشاي. أمّا المقاهي هناك فتتلوّث بيئتها بدخان السجائر الذي يتصاعد من أنوف الشباب وأفواههم. وحسب ما شاهدت،إن تسعًا وتسعين بالمئة من القادمين يدخّنون السجائر، وتتراوح أعمارهم بين عشرين وثلاثين سنة. فهم يحتسون الشاي مع تدخين السجائر، ولا وجود للشاي في مقاهي “بتلاهاؤس” من دون السجائر، كأنّهما توأمان لا يمكن الفصل بينهما، أو عينان أو أذنان أو ساقان؛ فإذا غابت إحداهما أصبح الإنسان ناقص البنيان، وتُطلق عليه أسماء تدلّ على هذا النقص، مثل: الأعور، والأحول، والأعرج.

فالمقاهي هنا لا تعني دكاكين يحتسي فيها الزبائن القهوة أو الشاي فحسب، بل لابدّ من تدخين سيجارة مع احتساء الشاي. ولا أدري بالضبط فوائد ذلك، ربما تعوّدوا على تدخين السجائر مع الشاي اقتداءً بوزير التعليم والثقافة الأول للهند بعد الاستقلال، مولانا أبي الكلام آزاد، الذي كان يحتسي الشاي مع تدخين السجائر، وكتب عن ذلك في سيرته الذاتية “غبار خاطر“، أو ربما يدخّنون لإنساء الهموم التي تنتابهم بدافع من اندفاع الشباب.

والشباب يمرّون في هذه المرحلة بهموم مختلفة، وهي من أصعب المراحل في حياة الإنسان. اليوم كنت مضغوطًا جدًّا، ووقع نظري على علب السجائر المصفوفة، ذات العلامات التجارية المتنوعة، فخطر ببالي أن أدخّن لأنسى الهمّ الذي يثقل عقلي. ولكنّني لم أدخّن، لأنّهم يدخّنون لإنساء الهموم، بينما أنا أنساها من خلال الكتابة؛ فالكتابة تخرج الهموم عن طريق القلم، لتتناثر على الأوراق، كما تتناثر الهموم عند المدخّن في الهواء، لكنّها هناك تلوّث البيئة وتفسد نقاءها.

التعليقات معطلة.