“سكرات الحب” هو عالم شعري متكامل نسجه الشاعر محمد معراج في ديوان قصائد نثرية تتجاوز حدود اللغة التقليدية نحو فضاء إنساني مفتوح، حيث تتلاقى العاطفة بالفكر، وينصهر الواقع بالرمز، وتظهر المشاعر في أقصى درجاتها بين التوهج والانكسار. الحب في هذا العمل لا يُطرح كحالة رومانسية حالمة، بل يظهر في صورته المركبة، بوصفه لذة مؤلمة، ومتعة مشوبة بالألم، كما يوحي العنوان الذي يجمع بين “سكرات” الموت و”الحب”، مشيرًا إلى التوتر بين النشوة والنهاية.
يتألف الديوان من إحدى وثلاثين قصيدة، تتنوع في موضوعاتها بين الحب والعشق والمرأة، وتلامس قضايا الوطن والانتماء، والتجارب الإنسانية، والتأملات الوجودية، في قالب نثري حر، غير مقيد بقوالب الوزن والقافية. ورغم أن الشاعر على دراية عميقة بالتراث العربي وأصول الشعر الكلاسيكي، إلا أنه اختار خوض تجربة قصيدة النثر، متيحًا لنفسه مساحات أوسع للانفلات من القيود الشكلية والاقتراب من جوهر التعبير.
القصائد في هذا الديوان لا تنطلق من نماذج جاهزة أو بنى مسبقة، بل تنبع من لحظة الكتابة ذاتها. الشاعر لا يتكلف الزينة البلاغية، بل يجعل من اللغة جسدًا للتجربة وأداةً للوصول إلى القارئ، لا للدهشة الشكلية، بل للمشاركة الشعورية. النصوص تأتي على هيئة تدفق شعوري وفكري صادق، حيث تتكامل البساطة التعبيرية مع العمق التأملي.
في إحدى القصائدالمعنونة ب”كلمة السر”، يظهر توظيف الرمزية بشكل بارز؛ حيث تتحول المفردات إلى إشارات تحمل دلالات تتجاوز المعنى المباشر، فالأبواب تمثل الحواجز النفسية التي تفصل بين الذات والعالم، وكلمة السر تصبح رمزًا للتحرر والانفتاح العاطفي. لا يكون الرمز هنا غامضًا أو مغرقًا في الإبهام، بل حيًا ومرتبطًا بسياقه.
أما في نص “ما نسيتكِ ولن أنساكِ”، يقدّم الشاعر تجربة حب تتسم بالثبات رغم الفراق والغدر، حيث يرفض التخلّي عن العاطفة، ويحتفي بالحب كمعلّم وقوة داخلية تبني الإنسان من جديد. الحب هنا ليس لحظة خاطفة، بل حالة مستمرة، تُشبه السكر الذي لا يزول أثره. الشاعر يعارض صوت العقل، ويحتفي بتناقضات التجربة بكل فخر، ليؤكد أن الألم ذاته جزء من النعمة.
ويبرز التوظيف الجمالي للتكرار في قصيدة “لاحقًا”، حيث تتحول الكلمة المتكررة إلى بناء شعوري كامل. تتصاعد المشاعر تدريجيًا من البساطة إلى الاحتياج، ثم إلى الإحباط ثم الخيبة، لتُختتم القصيدة بنبرة استسلام. يمنح الحوار المباشر النص طابعًا حيًا، وتغني التفاصيل الحسية من تأثيره العاطفي.
لكن التجربة لا تقف عند العاطفة، بل تمتد إلى قضايا الوطن والسياسة. في قصيدة “هبي من نومك”، يتوجه الشاعر إلى قومه بنداء صادق، بينما في “طيور غزة” يصور المعاناة الفلسطينية بنبرة مؤلمة، مقارنة بين الشجاعة والخنوع، مع مسحة خطابية تقلل أحيانًا من جمالية الصورة الشعرية لكنها لا تنقص من حرارة الصدق.
في قصيدة “توجكم تاج المكرمين”، يقدّم الشاعر نداءً إنسانيًا، يدعو فيه لتكريم الرموز في حياتهم، لا بعد رحيلهم، معبرًا عن مرارة تجاه تجاهل العظماء أحياءً واستذكارهم فقط بعد فوات الأوان، وهي دعوة أخلاقية ذات صدى اجتماعي عميق.
يمتد الديوان إلى استلهام الأسطورة والتاريخ في قصائد مثل “كرشنا” و”التاج محل الثاني”، حيث يتلبس الحب رمزية كونية وأسطورية، ويغدو الشاعر في هذه النصوص مزيجًا من العاشق والمؤرخ، يحاول أن يجد للحب صورة متجددة في كل الأزمنة. وفي نصوص مثل “عطر الحب”، و”صلاة المحبة”، و”إمبراطورية الشعر”، يتجلى طموح الشاعر في أن يضع بصمته بين الكبار، مستحضرًا تجارب محمود درويش ونزار قباني، ليس من باب التقليد، بل كنوع من السعي لإثبات الذات.
يُبحر بنا الشاعر في تنقلات متعددة، من “فتاة راهبة” و”زهرة ذات شوكة”، إلى “القلب الأخرس” و”الفتاة المثقفة”، مارًا بعوالم فلسفية كما في “الأيديولوجية”، حيث يرفض الاصطفاف وراء شعارات السياسة المصطلحية، ويدعو إلى فكر حر لا يتقيد بالإيديولوجيات المغلقة.
ما يميز هذا الديوان هو امتلاك الشاعر لحس وجداني رفيع، وثقافة واسعة، ووعي بلاغي يُحسن تطويعه لخدمة الفكرة والشعور، دون أن يقع في الاستعراض أو التصنع. صحيح أن بعض المواضع قد يغلب عليها الإسهاب أو التفسير الزائد، لكنها لا تنتقص من القيمة العامة للنصوص، بل تظل القصائد المتميزة فيه كافية لتعكس نضج التجربة وفرادتها.
سكرات الحب ليس مجرد ديوان نثري، بل هو تجربة شعرية ناضجة تمزج بين الشعر والفكر، وتُخاطب الإنسان العاطفي والعاقل في آنٍ واحد. إنه محاولة جريئة وجادة لبناء صوت شعري متفرد، يتحدث من داخل الإنسان، ويُحاوره في أشد لحظاته توترًا وتأملاً، ليقدّم في النهاية شهادة شعرية على أن الحب، بكل ما فيه من لذة وألم، لا يزال القوة الأصدق في عالم تتنازعه الأسئلة.




