ندوة دولية حول العنوان” الكفاية الثقافية في تعليم العربية للناطقين بغيرها”

ندوة دولية حول العنوان” الكفاية الثقافية في تعليم العربية للناطقين بغيرها”

عُقدت يوم الرابع عشر من نوفمبر عام 2025 ندوة علمية دولية إلكترونية عبر منصة غوغل ميت ضمن سلسلة الندوات الدولية ” آفاق اللغة العربية”، وجاءت هذه الفعالية لتسلّط الضوء على أحد أهم الموضوعات في مجال تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وهو موضوع الكفاية الثقافية ودورها في إنجاح عملية تعلم اللغة وتطوير برامجها. وقد اتسمت الندوة بطابع علمي رصين، وبمشاركة أكاديمية متميزة أسهمت في تقديم رؤية شاملة حول العلاقة الوثيقة بين اللغة والثقافة، وضرورة دمجهما في أي برنامج تعليمي يستهدف المتعلمين من خلفيات لغوية وثقافية متعددة.

بدأت الجلسة بكلمة افتتاحية ألقاها الدكتور محمد أجمل، الأستاذ المساعد بمركز الدراسات العربية والإفريقية بجامعة جواهر لال نهرو، الذي أدار الندوة بحيوية ووعي معرفي. وقد ركّز في مداخلته الأولى على التمييز بين عملية اكتساب اللغة وتعلّمها، مشيراً إلى أن الأول يحدث بشكل طبيعي وتدريجي في البيئة اللغوية، بينما الثاني يتطلب تخطيطاً واعياً ومنهجية تعليمية واضحة، وهي مخصصة للناطقين بغيرها. ومن هنا أوضح أن الكفاية الثقافية ليست عنصراً إضافياً في عملية التعليم، بل هي جزء جوهري يجعل اللغة مفهومة في سياقها الواقعي، ويتيح للمتعلم إدراك المعاني العميقة التي لا تتحقق من خلال القواعد والمعجم وحدهما. ثم انتقل للحديث عن التطورات المعاصرة في تدريس العربية، فأشار إلى ضرورة إعادة النظر في البرامج التعليمية القائمة كي تستجيب للحاجات الحقيقية للمتعلمين، ولا سيما في بيئات دولية تتسارع فيها حركة التبادل الثقافي.

تلت كلمة المدير كلمة ترحيبية للدكتور عبد السلام بي، الأستاذ المساعد بدار العلوم وايكاد، الذي أعرب عن امتنانه للضيف المحاضر  الأستاذ ماجد الرواحي وللمدير الدكتور محمد أجمل و  للمشاركين من مختلف البلدان، وبيّن أن موضوع الندوة يكتسب أهمية متزايدة في ظل توسّع رقعة المهتمين بتعلم العربية لأغراض أكاديمية وثقافية ومهنية.

ثم قدّم الأستاذ ماجد الرواحي، مدرس اللغة العربية لغير الناطقين بها في معهد السلطان قابوس، محاضرته الرئيسة حول الكفاية الثقافية في برامج تعليم اللغة العربية. واستهل عرضه بتوضيح أن الثقافة ليست مجرد معلومات عن بلدٍ ما، بل هي منظومة تتداخل فيها القيم والعادات والرموز والسلوكيات وأنماط التواصل. وبيّن أن امتلاك المتعلم لهذه الكفاية هو ما يمكّنه من استخدام اللغة في سياقاتها الحقيقية، وفهم ما قد يُقال وما لا يُقال، وما يندرج تحت المعاني الضمنية المرتبطة بالمجتمع وثقافته، وهو ما يميز المتعلم القادر على التواصل الفعّال عن الذي يقتصر فهمه على الجانب اللغوي النظري.

عرض الرواحي كذلك مسألة العلاقة بين الثقافة والمنهج، فبيّن أن المناهج الحديثة في سلطنة عُمان، ولا سيما تلك التي يعتمدها معهد السلطان قابوس، تعمل على دمج الثقافة في مختلف مستويات البرنامج التعليمي. وهذا الدمج لا يقوم على تقديم محاضرات ثقافية منفصلة، بل على إدراج الثقافة في النصوص، والحوارات، والأنشطة الصفية، والزيارات الميدانية، والممارسات التفاعلية التي تسمح للمتعلمين بالتعرّف على الحياة اليومية للمجتمع العُماني، وأنماط التواصل فيه، والرموز التي تحكم التعامل الاجتماعي، مما يخلق بيئة تعليمية شاملة تتناغم فيها اللغة مع ثقافتها.

وتطرق المحاضر إلى خصائص الثقافة، مثل تنوعها وتغيرها المستمر وطابعها التراكمي، وأوضح أن هذه الخصائص تجعل إدراج الكفاية الثقافية أمراً ضرورياً في المناهج، لأنها تساعد المتعلم على تجاوز الصور النمطية، وتمكّنه من إدراك حقيقة التنوع داخل المجتمع الواحد. كما تحدث عن ضرورة تدريب المعلمين على هذا الجانب، لأن بناء الكفاية الثقافية لا يقتصر على المادة التعليمية، بل يحتاج إلى معلم واعٍ بثقافته وقادر على تبسيطها وتمثيلها بطريقة مناسبة للمتعلمين.

وأعطى الرواحي نموذجاً تطبيقياً من خلال استعراض البرامج التي يقدمها معهد السلطان قابوس لتعليم العربية للناطقين بغيرها، حيث يعتمد المعهد على منهجية تجمع بين التدريس النظامي والأنشطة الثقافية، مثل زيارات المواقع التراثية، والمشاركة في الفعاليات المحلية، وممارسة المهارات التواصلية في مواقف حياتية حقيقية. وأكد أن مثل هذه الأساليب تسهم في تعزيز تعلم اللغة، لأنها تمنح المتعلم فرصة لتوظيف المعرفة اللغوية في سياقات حقيقية، مما يجعل اللغة أكثر حيوية وفاعلية.

وفي ختام الندوة، تقدم الأستاذ زين الدين بكلمة شكر عبّر فيها عن تقديره للمحاضر على ما قدمه من أفكار ثرية وتطبيقات واقعية، كما شكر إدارة الندوة على تنظيمها المستمر لهذه اللقاءات العلمية التي تُثري حقل تعليم العربية، وتفتح أمام الباحثين والممارسين آفاقاً جديدة للتطوير. وأكد أن الاستمرار في مناقشة موضوع الكفاية الثقافية يُعد ضرورة في زمن تتداخل فيه الثقافات، وتتسع فيه الحاجة إلى التواصل بين الشعوب بلغات متنوعة.

التعليقات معطلة.