نداء غزة، قصة قصيرة


عندما يحلّ ظلام الليل على شوارع غزة، لا يقتصر الأمر على الظلام فحسب، بل تستيقظ قصص لا تُحصى. في مكان ما، تلمع دموع أمٍّ حزنًا على أبنائها، وفي مكان آخر، يقف طفل بريء بين الأنقاض ناظرًا إلى السماء، وفي مكان آخر، ترتجف دعاءٌ على شفتي رجل مسنّ. ولكن وسط كل هذه الأصوات، يبرز صوت واحد أعلى من غيره، صوتٌ ينطلق من الأرض ويبلغ عنان السماء. إنه نداء غزة.
ليس هذا الصراخ مجرد صراخ أجساد جريحة، بل هو صراخ قلوب لم تيأس من رحمة الله رغم كل ابتلاء. هو صراخ عيون لم تنسَ السجود رغم امتلائها بالدموع. هو صراخ شفاه تردد، حتى في خضم الألم، “حسبنا الله ونعم الوكيل”.
بينما يغط العالم في سبات عميق، تستيقظ غزة. أهلها يتوكلون على ربهم حتى في أحلك الظروف. حين يرتفع الأذان وسط البيوت المدمرة، يبدو وكأن أزهار الأمل تتفتح من بين الأنقاض. وجوهٌ مغطاة بالغبار وعيونٌ دامعة تشهد على أن نور الإيمان لا ينطفئ.
تُذكّرنا غزة بأن الإيمان ليس مجرد راحة، بل هو أيضاً التمسك بالإيمان بالله حتى في أخطرل الأحوال. عندما تُغلق أبواب الدنيا، تُفتح أبواب السماء. عندما يعجز الإنسان، يصبح الدعاء سنداً له. وعندما ينقطع كل سند، يكون العبد أقرب إلى ربه.
يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. (آل عمران: 139).
يبدو أن أهل غزة يجسدون هذه الآية تجسيداً حياً. قد تُدمر بيوتهم، لكن عزيمتهم لن تُكسر. قد تُدمر مستوطناتهم، لكن إيمانهم لن يتزعزع. ليس لديهم قوة الدنيا، لكن لديهم ثروة أعظم من كل ثروة، ألا وهي الثقة الكاملة بالله.
قد لا يلعب الأطفال في شوارع غزة بألعاب كباقي أطفال العالم، لكنّ نور الأمل يسطع في عيونهم. إنهم يعلمون أن ربهم يراقبهم. تلك الأيدي البريئة التي ترتفع للدعاء، وتلك العيون التي تتطلع إلى السماء، وتلك القلوب المتصلة بذكر الله، تُثير في النفس رهبةً وخشوعاً.
أحياناً تصلي الأم وهي تضم طفلها حديث الولادة إلى صدرها، وأحياناً يتضرع الأب طالباً الرحمة لعائلته، وأحياناً يرفع الطفل يديه الصغيرتين ويقول ببساطة: “اللهم! ” قد تبدو هذه الأصوات ضعيفة على الأرض، لكن أصداءها عالية جداً في السماوات”.
وحسب قول الله تعالى: “إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا” (سورة الشرح: 6).
أيقظت هذه الآية الأمل في قلوب المؤمنين لقرون. وأهل غزة يعيشون على هذا الأمل أيضاً، فهم يعلمون أن المحن لا تدوم، وأن رحمة الله أوسع من أي ظلام.
وحسب قول النبي الأكرم ﷺ: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. (رواه البخاري ومسلم)
هذا الحديث النبويّ يُدركنا أن ألم غزة ليس ألم غزة وحدها، بل ألم الأمة الإسلامية جمعاء والبشرية جمعاء. فإذا بكى طفل من الجوع، وإذا دعت أمٌّ ابنها، وإذا نظر شيخٌ إلى السماء في عجز، فإن صوته يجب أن يصل إلى كل ذي قلب.
إنّ النداء القادم من غزة ليس مجرد نداء استغاثة، بل هو نداء إيقاظ. إنه يدعونا إلى فحص قلوبنا، ويسألنا إن كنا قد عززنا علاقتنا بربنا. ولكن يبقى السؤال؛
هل رفعنا أيدينا إلى الله لندعوه من أجل المظلومين؟
هل حافظنا على الرحمة والأخوة في قلوبنا؟
لعلّ أعظم درسٍ من غزة هو أن أعظم قوة في العالم ليست السلاح، بل الإيمان. قد تسقط الجدران، وقد تتحول المباني إلى ركام، لكن القلوب التي تؤمن بالله لن تنكسر.
يشهد التاريخ أن الظلم زائل. لم يدم سلطان فرعون، وانتهى حكم نمرود، لكن وعد الله ظلّ قائماً. يقول الله تعالى: ” وَ اللّٰہُ غَالِبٌ عَلٰۤی اَمۡرِہٖ” (سورة يوسف: 21).
هذا الإيمان حيٌّ في قلوب أهل غزة، وهو ما يُبقيهم صامدين في كلّ محنة. غزة لا تزال جريحة اليوم، لكنها لم تُهزم. غزة لا تزال تُبتلى اليوم، لكنها لم تيأس. غزة لا تزال تبكي اليوم، لكن الأمل لا يزال يملأ عيونها. غزة لا تزال غارقة في الدماء اليوم، لكن الدعاء لا يزال يتردد على ألسنتها. غزة لا تزال تتألم اليوم، لكن محبة الله حية في قلبها. ولعلّ أعظم صرخة لغزة هي:
يا أيها الأمة الإسلامية! ارجعوا إلى ربكم، واملأوا قلوبكم إيماناً، واجعلوا الدعاء سلاحكم، فإن دعائم الأرض قد تزول، ولكن دعائم من في السماء لا تزول أبداً.
لا شك أن يوماً سيأتي تتحول فيه أنات المظلومين إلى رحمة، ودموعهم إلى ابتسامات، وتنتهي فيه ليلة المحن. فمع الله قد يتأخر الأمر، ولكن لا يغيب الظلام.
لا يزال صدى نداء غزة يتردد في الأجواء اليوم، وهذا الصوت ينبع من قلب كل مؤمن:
“اللهم احفظ أهل فلسطين، وداوِ جراحهم برحمتك، وتقبّل صبرهم، واغفر لشهدائهم، وأعطهم عزاً وسلاماً ونصراً كاملاً. آمين يا رب العالمين.”
الدكتور محمد أجمل
مركز الدراسات العربية والإفريقية، جامعة جواهر لال نهرو – نيودلهي
